تناقضات باسم الإعجاز العلمي للقرآننشرفي جريدة الغد الأردنية : 11/7/2008
نادر رزق* يبدو أن كثيراً من العلماء المحدثين وممن تصدوا للتفسير العلمي، لم يعتبروا من أخطاء علماء السلف، الذين نلتمس لهم العذر لتواضع المعلومات العلمية في زمانهم، فلم يلتزموا بضوابط هذا التفسير وتحديداً الدقة اللغوية، وعدم الاعتماد على النظريات العلمية غير الثابتة، فساقتهم الحماسة والنوايا الطيبة إلى الوقوع في أخطاء واضحة لا يُعذرون فيها، وهذا ما يمكن ملاحظته بتصفح مواقع كثيرة على الإنترنت تختص بالإعجاز العلمي، إذ إنها تحوي كثيراً من التهافت فلا يكاد يضبطها ضابط، لذلك انتشرت عندهم تفسيرات عجيبة متكلفة لَوَوا فيها أعناق المعاني لتتوافق مع إعجاز مزعوم، وألصقوا فرضيات علمية لم تثبت صحتها بآيات القرآن الكريم، وأسرفوا في التأويل الناتج عن جهل علمي ولغوي على السواء، وتسببوا بتهجم كثيرين من أعداء الدين على القرآن والسنة من خلال تصيدهم لهذه الأخطاء، وقد عثرت على مواقع متخصصة بالتهجم على الإسلام من خلال استغلال بعض هذه "الإعجازات" العلمية المزعومة أو غير المثبتة. وهنا سأعرض لبعض الأمثلة.
ففي تفسير بعضهم للفعل (دحاها) في آية "والأَرضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها" (النازعات 30) يقولون إن الفعل دحا يعني (بسطَ وكوّرَ) في الوقت نفسه! وحجّتهم أن المدحى هو بيضة النعام، فاشتقوا بطريقتهم الخاصة فعلاً يحمل المعنى المذكور، وهذا افتراء بيّن على اللغة لأن "مَدْحَى النعام: موضع بيضها" وسمي بذلك لأن النعامة تدحوه برجليها أي تمهده وتبسطه، وهؤلاء كأني بهم أرادوا أن يلتفّوا على المعنى المعجمي للفعل دحا وهو مهد وبسط فتوهموا، كما توهم من قبل بعض المفسرين وليس كلهم، أن الأخذ به ينفي كروية الأرض فابتكروا هذا المعنى، علماً أن ابن حزم (ت 456 هـ) أغناهم عن هذه المسألة في كتابه "الملل والنحل" بقوله "قال الله عز وجل(يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل) وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض مأخوذ من كور العمامة وهو إدارتها وهذا نص على تكوير الأرض".
كذلك ما يقوله بعضهم في الآية 3 من سورة الروم "فِي أَدنَى ?لأَرضِ وهُم من بعد غَلَبهم سيغلِبُونَ" التي يريدون أن يثبتوا من خلالها أن القرآن الكريم أشار إلى أن منطقة غور الأردن التي هُزم فيها الروم على يد الفرس في بداية الدعوة الإسلامية هي أخفض بقعة على وجه الأرض، فيدّعون أن من معاني "أدنى" أخفض بقولهم إن أدنى تعني أقرب وأقل وأخس، ويحشرون معنى رابعاً هو "أخفض" لم تذكره المعاجم مطلقاً ولم تقل به العرب عند نزول القرآن، إنما هو معنى محدث عند علماء الرياضيات والطبيعيات وغيرهم من الذين يقولون مثلاً "أدنى مستوى". وحتى عالم كبير كالدكتور زغلول النجار وقع في هذا الخطأ فيقول مستشهداً بلسان العرب "الأدنى هو السَّفِل" أي الأخفض، وهو لو بحث في المعجم نفسه عن كلمة السَّفِل لوجد أنها تعني الخسيس أو الدنيء.
والدكتور زغلول النجار عالم مشهود له من دون شك، ولعله أفضل من تصدى للتفسير العلمي للقرآن والسنة (مع تحفظي على إقحام السنة النبوية في هذا المجال)، لكنه أحياناً يوقعنا في حيرة في بعض تأويلاته، فقد نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 23/7/2001 تفسيره للآية "وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة" (الإسراء 12) حيث يقول: "وقد دفع ذلك ببعض المفسرين إلى القول باحتمال كون القمر في بدء خلقه ملتهبا، شديد الحرارة، مشتعلا، مضيئاً بذاته تماما كالشمس، ثم انطفأت جذوته وخبت، وهذا الاحتمال لا تدعمه الملاحظات العلمية الدقيقة". ثم يشرع بتوضيح تفسيره الذي ربما يصعب على غير المتخصصين استيعابه، وملخصه أن نطق الحماية المتعددة الموجودة في الغلاف الغازي للأرض ومنها نطاق الأوزون، ونطق التأين المتعددة، والنطاق المغناطيسي للأرض، لم تكن موجودة في بدء خلق الأرض، فكانت الأشعة الكونية وباقي صور النور المتعددة تصل بكميات هائلة إلى المستويات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض ككل، فتؤدي إلى إنارتها وتوهجها ليلا وكان هذا التوهج وتلك الإنارة يشملان كل أرجاء الأرض، فتنير ليلها إنارة تقضي على ظلمة الليل. وبعد تكوّن نطق الحماية المختلفة للأرض أخذت هذه الظواهر في التضاؤل التدريجي حتى اقتصرت على منطقتي قطبي الأرض المغناطيسيين. لكني وجدت في موقعه الرسمي كلاماً يدعم الرأي الذي نفاه تحت عنوان(القمر كان كوكباً مشتعلاً) منسوبا إلى ندوة بين الشيخ عبدالمجيد الزنداني والدكتور فاروق الباز مدرب رواد الفضاء في وكالة الفضاء الأميركية ناسا!
ولنتأمل في الآية "وَتَرى الجبالَ تحسبُها جامدةً وهي تَمرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنعَ اللهِ الذي أتقنَ كلَّ شَيءٍ إنهُ خبيرٌ بما تفعلون" (النمل

، فقد أجمع المفسرون أن هذه الحركة تكون يوم القيامة، لكن الشيخ الشعراوي لم يوافقهم وله في ذلك حجة مقنعة يقول:"(تحسبها جامدةً) أي تظنها ثابتة، ويوم القيامة لا يوجد ظن بل إن الظن في الدنيا، أما في يوم القيامة فكل ما نراه هو الحق. إذا صعدنا إلى الفضاء الخارجي فإننا نرى الأرض وهي تدور وتتحرك وتتحرك معها الجبال أيضاً، وفي هذا إشارة إلى دوران الأرض حول نفسها". لكن خرج تأويل آخر يقول إن الحقيقة التي يقررها العلماء اليوم هي أن الجبال تمر وتتحرك وأحياناً تعكس اتجاه حركتها بسبب ما يسمى حركة الصفائح وأنها تُدفع بواسطة التأثيرات الحرارية الباطنية للأرض، "تماماً كما تدفع الرياح الغيوم"، ونلاحظ هنا التجني العلمي الواضح في العبارة الأخيرة؛ فهل يعقل أن حركة الجبال الجيولوجية التي تقاس بالمليمترات في مئات السنين هي كمرّ السحاب؟
وفي بعض المواقع المعنية بموضوع الإعجاز على الإنترنت، نقرأ أن الآيات التي تتحدث عن القلب مثل "فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ" (الحج 46) تحدد لنا مركز الإدراك لدى الإنسان وهو القلب، وهو ما اكتشفه العلماء مؤخراً، كما يقولون، وهذا جائز، لكنهم يوقعوننا في حيرة في موضع آخر عند حديثهم عن الآيتين "كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة" (العلق 15، 16) فيقولون هذا دليل أن الناصية وهو الجزء الأمامي من الدماغ، كما يزعمون، هو المسؤول عن الصدق والكذب واتخاذ القرار كما أثبت العلماء، فكيف يجتمع هذان التأويلان؟! علماً أن معاجم اللغة تقول الناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس، ولم تذكر أي معنى له علاقة بالدماغ، فأين هذا من ذاك؟
وقد انتشرت بينهم مقولة أن القرآن قد قرر حقيقة علمية في آية "كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَت بَيْتًا" (العنكبوت 4) بزعمهم أن العلم أثبت أن أنثى العناكب فقط هي التي تنسج، لذا استخدم القرآن صيغة المؤنث في الآية، إذا افترضنا صحة هذه المعلومة، أي اقتصار النسج على الأنثى، فلا إعجاز علمياً في ذلك لأن العرب، كما قالت بنت الشاطئ في ردها عليهم، تؤنث العنكبوت وهو تأنيث لغوي لا علاقة له بالتأنيث البيولوجي كما تؤنث العقرب وغيرها من الحشرات، وقد تبنى وساهم في نشر هذا الادعاء د. مصطفى محمود الذي يمضي على هذا المنوال فيستنبط إعجازاً علمياً من قوله تعالى "لا يَعْزُبُ عَنهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرضِ ولا أَصغر مِنْ ذلك ولا أَكبر" (سبأ 3) فيكتشف إشارة علمية إلى "الجسيمات دون الذرية" كالإلكترون والبروتون والكوارك! فيقول: "قديماً، كانوا ينظرون إلى مثقال الذرَّة على أنَّه أصغر مثقال. وكانوا ينظرون إلى الذرَّة على أنَّها مادة غير قابلة للانقسام، أي أنَّها لا تتألَّف مِنْ جسيمات أصغر. وها نحن نرى في هذه الآية إشارة قرآنية إلى ما هو أصغر مِنَ الذرَّة". لكن الذرَّة، لغةً، هي الهباء المنتشر في الهواء، والقدر الضئيل مِنَ التراب أو غيره، وعند بعض المفسرين هي أصغر نَمْلة. والقرآن في تعبيره عن "أقل شيء"، أو عما لا قيمة له، يستخدم تعبيرَي مثقال ذرَّة، ومثقال حبَّةٍ مِنْ خردل. إن "الذرَّة" في الآية المذكورة بالتأكيد ليست هي ذاتها "الذرَّة" في المفهوم العلمي الحديث. لأنه عندما اكتُشفَت الذَّرة Atom حار اللغويون العرب في تعريب الكلمة إلى أن اتَّفقوا على اتخاذ هذا اللفظ. فهل يعقل استنباط إعجاز علمي استنادا إلى مصطلح علمي للذرة اتفقت عليه مجامع اللغة في القرن العشرين وكان يمكن أن يتخذوا لفظاً آخر تسميةً لها؟!
القرآن الكريم كتاب هداية بالدرجة الأولى، ولا يجدر التعامل معه على أنه كتاب علمي بحت، وفيه إشارات علمية معجزة لا يماري فيها إلا مكابر، لكن ينبغي عند دراستها التروي وتوخي الدقة والحذر والتسلّح باللغة والعلم، وعدم الانسياق وراء العواطف والرأي.
* كاتب أردني
nader_riziq@yahoo.comhttp://www.alghad.jo/?news=344383 "تعليقي":
لغاية نشر هذا المقال وللحق لم أرى نقدا قويا يتم نشره في صحيفة عربية يومية كما طرحه هذا الكاتب في هذا المقال ..
تحيه لهذا الكاتب على هذا الطرح وتحية للصحيفة على النشر.
أتمنى له دوام الصحة وخاصة اذا استمر في هذا التوجه.